سميح عاطف الزين

202

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ودخلت القافلة مكة وقت الظهيرة ، وتناهت أخبارها إلى خديجة فخرجت إلى علّية دارتها ، تتأمل مشهد الدواب وهي تقبل نحوها ، وقد أثقلت خطاها الأحمال التي فوقها ، وطول المسافات التي قطعتها ، فتسرّ بهذه النعمة التي أفاضها اللّه عليها ، وتمجّد رب الكعبة التي بفضل بركتها قد وصلت إلى ما وصلت إليه من غنى وجاه . وكانت عيناها لا تحيد عن محمد وراحلته تتهادى به في مقدمة القافلة . ثم وجدت نفسها تندفع إلى فناء الدار لاستقباله ، وإذا بها أمام هذا الشاب القويّ ، وقد لوّحت حرارة الشمس لون وجهه الجذّاب ، وكأنما هيبته قد عقلت لسانها ومنعت عنها النطق ، فلم تزد على أن ترحب به قائلة : « حمدا على سلامتك يا محمد » . ووقفت تتأمله وكأنها تراه لأول مرة ، فتجده ذا قامة معتدلة ، لا بالقصير اللاصق ، ولا بالطويل الشامخ ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، قوي الزندين ، رحب الراحة ، ممتدّ الأطراف ، في جسمه صلابة الرجل العربي ، الذي عالجته قساوة الصحراء ومنحته القوة والبأس . وردّ عليها التحية بابتسامة عريضة انفرجت عن فم ذي أسنان مفلّجة كأنها حبات اللؤلؤ الفاخر في العقد الثمين . . ولم تستطع خديجة وهي تتأمله على هذا الخلق السوي ، إلّا أن تقول في نفسها : « سبحان اللّه الخالق ، ما أجمل هذه الملامح ، وما أجمل هذه القسمات » . وتتأمله أكثر فترى أن ما يزيده روعة في خلقه هذه الملامح الثابتة : فهو أدعج العينين ، أزجّ الحاجبين ، يتناسق ذلك كله مع أنفه الأقنى ، وخدّه الأسيل ، ويتآلف مع جبينه الواسع ، وعنقه المتين . . وتدعوه خديجة للدخول ، فيتقدم أمامها بخطى وئيدة ، رافعا